محمد محمد أبو موسى
137
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا من الأمر الصعب الذي تظهر به الفصاحة وتتبين به البلاغة ، وأعيد كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة ، ونبهوا بذلك على عجزهم عن الاتيان بمثله مبتدأ به ومكررا ، ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى تلك المعاني ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به ، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبهم ، وإلى مساواته فيما حكى وجاء به ، وكيف وقد قال لهم : « فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ » فعلى هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها اظهارا للاعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذي توهموه » « 31 » . ولا نستطيع أن ندعى أن شيئا من هذه الدراسات كان أصلا لبحث التقديم عند الجرجاني لاختلاف المنزع والأسلوب في كل منهما . اذن فما أصل هذا البحث ؟ قد أشار الجرجاني إلى صاحب الكتاب وإلى ما قاله في التقديم من أنهم يقدمون الذي : بيانه أهم وهم بشأنه أعنى ، وان كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ، ثم ذكر عبد القاهر ما قالوه في قتل الخارجي فلان ، وقتل فلان الخارجي ، وتحديدهم للمقام الذي يقتضى كل صورة من هاتين الصورتين وعلق على ذلك بقوله : « وهذا جيد بالغ ، ثم إنه ينبغي أن يعرف في كل شئ قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير » « 32 » . وحين نسترسل في قراءة كتاب سيبويه نجد دراسات أخرى في التقديم تزيد على ما نقله عنه الجرجاني في هذا الموطن ، بل قد تكون أصلا لكل ما ذكره الجرجاني في هذا الباب . يقول سيبويه في باب « ما يكون فيه الاسم مبنيا على الفعل قدم أو أخر ، وما يكون فيه الفعل مبنيا على الاسم » : « وإذا بنيت الفعل على الاسم قلت : زيد ضربته ، فلزمته الهاء ، وانما تريد بقولك مبنى عليه الفعل أنه في موضع ينطلق إذا قلت : عبد اللّه
--> ( 31 ) اعجاز القرآن - والآية من سورة الطور : 34 ( 32 ) دلائل الاعجاز ص 74